السيد مهدي الرجائي الموسوي

390

الأدباء من آل أبي طالب ( ع )

وممّا يسطر من مناقبه الفاخرة ، الشاهدة بفضله في الدنيا والآخرة ، أنّه رحمه الله كان قد أصابته في صغره عين ، ذهبت من حواسّه الشريفة بعين ، فرأى ولده النبي صلى الله عليه وآله في منامه ، فقال له : إن اخذ بصره فقد أعطي بصيرته ، ولقد صدق وبرّ صلى الله عليه وآله ، فإنّه نشأ بالبحرين فكان لها ثالثاً ، وأصبح للفضل والعلم جارثاً ووارثاً ، وولي بها القضاء ، فشرف الحكم والامضاء ، ثمّ انتقل إلى شيراز ، فطالت به على العراق والحجاز ، وتقلّد الإمامة والخطابة ، ونشر حبر فضائله المستطابة ، فتاهت به المنابر ، وباهت به الأكابر ، وفاهت بفضله ألسن الأقلام وأفواه المحابر ، ولم يزل بها حتّى أتاه اليقين ، وانتقل إلى جنّة عرضها السماوات والأرض اعدّت للمتّقين ، فتوفّي سنة ثمان وعشرين وألف رحمه اللَّه تعالى . وهذا محلّ نبذة من شعره ، ونفثة من بيان سحره ، ولا أراني أثبت منه غير اللؤلؤ البحراني ، وأخبرني بعض الأصحاب أنّه كان أنشأ في يوم جمعة خطبة أبدعها ، وأودعها من نفائس البراعة ما أودعها ، فلمّا ارتقى ذروة المنبر ، انسي ما كان أنشأ وحبر ، فاستأنف لوقفته خطبة أخرى ، وختمها بهذه الأبيات التي كست فنون القريض فخراً ، وهي قوله : ناشدتك اللَّه إلّا ما نظرت إلى * صنيع ما ابتدأ الباري وما ابتدعا تجد صفيح سماءٍ من زمرّدةٍ * خضراء فيها فريد الدرّ قد رصعا ترى الدراري بذاتين الجناح فما * يجدن غبّ السرى عيّاً ولا ضلعا والأرض طاشت ولم تسكن فوقّرها * بالراسيات التي من فوقها وضعا فقرّ طائشها من بعد ما امتنعا * وانحطّ شامخها من بعد ما ارتفعا وأرسل الغاديات المعصرات لها * فقهقهت ملاءً ثمّ اكتست خلعا هذا ونفسك لو أمّ الخبير لها * لارتدّ عنها كليل الطرف وارتدعا وليس في العالم العلوي من أثرٍ * يحير اللبّ إلّا فيك قد جمعا وهذه الأبيات لو كانت عن روية لأفحمت مصاقع الرجال ، فكيف وهي عن بديهة وارتجال ، وقال يحنّ إلى الغد ووطنه حنين النجيب إلى عطنه : يا ساكني جدّحفص لا تخطفكم * ريب المنون ولا نالتكم المحن ولا عدا زاهرات الخصب واديكم * ولا أغبّ ثراه العارض الهتن ما الدار عندي ولو ألفيتها سكناً * يرضاه قلبي لولا الألف والسكن